هذا الحبيب (6): الهجرة إلى الحبشة وكسر حصار قريش للدعوة

 مستر حسن حسين شقير
المؤلف مستر حسن حسين شقير
تاريخ النشر
آخر تحديث

 

هذا الحبيب (6): الهجرة إلى الحبشة وكسر حصار قريش للدعوة

قصة الهجرة إلى الحبشة وحصار الشعب في القرآن والسيرة هي ملحمة الثبات الأولى التي خاضها المسلمون الأوائل لحماية عقيدتهم من بطش قريش. بتعلمنا إن التضحية بالوطن والمال في سبيل الله هي أول خطوة لفتح آفاق جديدة ونصر غير متوقع لرفع راية الإسلام. وهنجد في السطور الجاية كيف نعيش الدرس ده في يومنا.

الهجرة إلى الحبشة وكسر حصار قريش للدعوة وصمود المسلمين الأوائل في الصحراء ليلاً أمام بطش المشركين.


صرخة تعذيب خلف الكثبان ولحظة القرار الصعب

تخيل لو صحيت الصبح ولقيت أقرب الناس ليك—أخوك، عمك، أو جارك اللي كان بالأمس بيحبك—بيجرّك في الشمس الحارقة، ويربطك بسلاسل حديد، ويحط صخرة على صدرك لمجرد إنك قولت "لا إله إلا الله". ده مش مشهد سينمائي، ده كان الواقع اليومي المرير اللي عاشه الصحابة في مكة بعد الجهر بالدعوة. مكة الدافئة الطيبة، اتحولت في عيون المؤمنين لفرن مشتعل من التعذيب والاضطهاد.

في وسط الأنين المكتوم وصوت السياط اللي بتمزق ضهور المستضعفين، كان النبي ﷺ واقف بقلب يعتصره الألم على أصحابه. مكنش معاه قوة عسكرية تحميهم، ومكنش ينفع يواجه قريش بالسلاح في المرحلة دي عشان يحافظ على نواة المجتمع الإسلامي. في اللحظة الحرجة دي، مطلعش النبي ﷺ وقالهم "استسلموا" أو "سيبوا الدين"، بل فتح ليهم طاقة أمل برة حدود الخريطة تماماً لتخفيف هذا الضغط. بص ليهم وقال كلمته التاريخية: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة؛ فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق" (صحيح السيرة النبوية). من هنا بدأت فكرة الهجرة الأولى كخطوة لكسر حصار قريش للدعوة، فكرة إن العقيدة أغلى من التراب، وإن الأرض اللي ماتحترمكش وماتخليكش تعبد ربنا بحرية، سيبها وامشي؛ لأن أرض الله واسعة، وزي ما شفنا في قصة يونس عليه السلام عن الصبر في الظلمات، ربنا دايماً بيجهز الفرج في أكتر الأماكن اللي مش على البال.

مغامرة الليل الطويل وعبور البحر نحو المجهول

الخروج من مكة مكنش بالسهولة دي، قريش كانت عاملة حظر تجوال ومراقبة كل الطرق لمنع تمدد الإسلام. تخيل عائلات بحالها، فيها أطفال ونساء، بتتسحب في ضلمة الليل كحل، ماشية على رجليها في الصحراء ومرعوبة إن أي صوت يصحّي عيون قريش. مشيوا لحد ما وصلوا لميناء "شُعيبة" على البحر الأحمر، وبسرعة أجروا سفينتين تجاريتين بنصف دينار عشان تعدي بيهم للمجهول، لأفريقيا، لبلد غريبة، لغتها مش عربية ودينها مش الإسلام!

كان على رأس الفوج الأول سيدنا عثمان بن عفان وزوجته السيدة رقية بنت رسول الله ﷺ. قريش أول ما عرفت بالهروب، جن جنونها؛ لأن خروج المسلمين معناه إن الدعوة هتدوّل وهتخرج برة السيطرة المحلية. جريوا وراهم لفلول الشاطئ، لكن السفينتين كانوا أبحرت بفضل الله وتوفيقه. الابتلاء هنا بيعلمنا إن الإيمان مش كلام ناعم بنقوله واحنا قاعدين في التكييف؛ الإيمان حركة وتضحية ومغامرة بالراحة والاستقرار. الصحابة سابوا بيوتهم وتجارتهم وفلوسهم في مكة، وركبوا البحر اللي كانوا بيخافوا منه، كل ده في سبيل الهجرة إلى الحبشة وكسر حصار قريش للدعوة التي أرادوا خنقها في مهدها.

مواجهة دبلوماسية شرسة في بلاط الملك النجاشي

قريش ماسكتتش، بعتت داهية العرب "عمرو بن العاص" (قبل إسلامه) ومعاه عمارة بن الوليد، ومحملين بأفخم الهدايا من أدم (جلود) مكة لبطاركة الحبشة وللملك النجاشي شخصياً. الخطة كانت خبيثة جداً: ندخل للبطاركة بالرشاوى والهدايا عشان يضغطوا على الملك، ونقول للنجاشي إن دول "غلمان سفهاء فارقوا دين آبائهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع".

[رابط داخلي: قصة يونس عليه السلام عن الصبر في الظلمات — أضف الرابط الفعلي هنا]

النجاشي كان ملكاً عادلاً ذكياً، رفض يسلمهم من غير ما يسمع منهم. وفي قاعة البلاط الملكي الفخمة، وقف المسلمون بملابسهم البسيطة وثباتهم الجبال أمام الملك والبطاركة وعمرو بن العاص. تقدم لسان المسلمين الفصيح، سيدنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وارتجل خطبة تُدرس في تاريخ الدبلوماسية والإعلام. قال له: "أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام, ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام... حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه" (مسند أحمد).

لما النجاشي طلب يسمع من القرآن، قرا عليه جعفر آيات من أول سورة مريم بأسلوب خاشع ومؤثر. هنا حصلت المعجزة البصرية؛ بكى النجاشي حتى خضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى بللوا مصاحفهم! ورسم النجاشي عوداً على الأرض وقال: "إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة". وطرد وفد قريش ورد هداياهم لتتحول الهجرة إلى الحبشة وكسر حصار قريش للدعوة إلى حقيقة واقعة أثبتت نجاح رؤية النبي ﷺ السياسية والدينية.

وثيقة الموت والدم والـ 3 سنين في شعب أبي طالب

شايف إن القصة دي تحتاج تأمل أعمق بالصوت والصورة؟ تابع الفيديو ده على القناة: [ضع هنا رابط الفيديو من قناة الشقيري]

لما قريش فشلت خطتها في الحبشة، ورجعت هداياها مكسورة العين، وفوق ده كله أسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، اتحول الغيظ لجنون رسمي. قرروا يعملوا أبشع جريمة إنسانية في وقتهم لتدارك موقفهم بعد الهجرة إلى الحبشة وكسر حصار قريش للدعوة سياسياً بالخارج؛ ففرضوا "الحصار الاقتصادي والاجتماعي الكامل" بالداخل. كتبوا وثيقة ظالمة وعلقوها في جوف الكعبة، تعاهدوا فيها على: لا نناكحهم (مانتجوزش منهم)، ولا نبايعهم (مانبيعش ليهم ولا نشتري منهم)، ولا نكلمهم، حتى يسلموا إلينا محمداً لقتله!

انحصر النبي ﷺ وأهله من بني هاشم وبني المطلب—مؤمنهم وكافرهم اللي حماه حمية—في مكان ضيق جاف بين الجبال اسمه "شعب أبي طالب". الحصار ده استمر كام؟ مش يوم ولا أسبوع ولا شهر.. استمر ثلاث سنوات كاملة! عيش التفصيلة دي بقلبك: تلات سنين ممنوع يدخلهم حبة قمح أو شربة مية. الصحابة وصل بيهم الحال إنهم كانوا بياكلوا ورق الشجر الناشف (شجر الخبط) لحد ما قرحت أشداقهم (بوقهم اتجرح)، وكانوا بيمصوا الجلد القديم عشان يبلوا ريقهم. وصوت بكاء الأطفال والنساء من الجوع كان بيسمعوه أهل مكة من ورا الجبال، وقساة القلوب كانوا بيضحكوا ويتشفوا. تلات سنين والنبي ﷺ واقف ثابت، مبيتراجعش خطوة واحدة، والصحابة حواليه بيموتوا من الجوع بس مبيخونوش.

معجزة "الأرضة" والفرج الإلهي من تحت التراب

لما الأزمة وصلت لذروتها، والناس ظنت إن المسلمين خلاص هيبادوا جوه الشعب، تحركت الرحمة في قلوب خمسة من عقلاء قريش (رغم كفرهم) بقيادة هشام بن عمرو وزهير بن أبي أمية. قالوا: كيف ناكل ونشرب وبنو هاشم يهلكون؟ وتعاهدوا على نقض الصحيفة الظالمة.

في نفس الوقت، نزل الوحي على النبي ﷺ بخبر معجز. ربنا سبحانه وتعالى أرسل حشرة صغيرة جداً لا تُرى بالعين المجردة تقريباً، اسمها "الأرضة" (النمل الأبيض)، ودخلت جوف الكعبة، وأكلت كل كلمات الظلم والقطيعة والحصار اللي في الوثيقة، وسابت حاجة واحدة بس: اسم "باسمك اللهم".

النبي ﷺ قال لعمّه أبي طالب بالخبر، فخرج أبو طالب لقريش وقالهم: إن ابن أخي أخبرني بكذا، فادخلوا شوفوا الصحيفة، لو كان صادقاً فانتهوا عن حصارنا، ولو كان كاذباً سلمته إليكم. دخلوا وفتحوا الكعبة، ولقوا المعجزة قائمة؛ الوثيقة كلها اتمسحت وبقت بودرة تراب، إلا كلمة "باسمك اللهم"! اتصدمت قريش، واهتزت هيبتها، وخرج المسلمون من الشعب رافعين راسهم بعد تلات سنين من الموت البطيء، ليعلنوا تلاحم الصمود الداخلي مع خطة الهجرة إلى الحبشة وكسر حصار قريش للدعوة بنصر إلهي مؤزر.

كيف نترجم ثبات السيرة في واقعنا المعاصر؟

خد بالك من التفصيلة دي يا غالي: الحصار مش لازم يكون شعب أبي طالب الخشبي القديم. ساعات بنتحاصر في بيوتنا بأزمات مالية بتخنقنا، وساعات الشاب بيتحاصر بفتن وشهوات في موبايله وضغوط من صحابه عشان يمشي في الحرام، وساعات البنت بتتحاصر في كليتها أو شغلها بضغوط عشان تتخلى عن حجابها الشرعي أو حشمتها عشان "تواكب الموضة".

درس الهجرة والحصار بيقولك: اوعى تبيع دينك أو مبدأك عشان لقمة عيش أو عشان ترضي الناس. الصحابة سابوا بلدهم واستحملوا الجوع ومقالوش "احنا مالنا" أو "نصفي الأمور مع قريش ونعيش سلام وخلاص". لما تضيق بيك الدنيا وتقفل من كل ناحية، وتلاقي نفسك محاصر بالديون أو الهموم، الزم الثبات واللجوء لربنا، واجعل من توكلك وسيلة فريدة تشبه الهجرة إلى الحبشة وكسر حصار قريش للدعوة في قوتها وأثرها. خلي عندك يقين إن "الأرضة" اللي أكلت وثيقة قريش، قادرة بكلمة واحدة من ربنا إنها تأكل الديون والهموم والأمراض اللي محاصرة حياتك، بس انت اقف في طابور الثبات وقول: "يا رب، أنا على عهدك ووعدك ما استطعت".

أسئلة شائعة حول الهجرة إلى الحبشة وحصار الشعب

لماذا اختار النبي ﷺ أرض الحبشة تحديداً للهجرة دون غيرها؟

اختار النبي ﷺ الحبشة لسببين استراتيجيين وأخلاقيين؛ الأول: وجود ملك عادل نصراني وهو النجاشي (أصحمة بن أبجر) الذي وصفه النبي ﷺ بأنه "لا يُظلم عنده أحد"، مما يضمن سلامة الصحابة الأمنية. الثاني: أن الحبشة كانت تعتبر متجراً لقريش وأرض صدق، وبعيدة عن النفوذ العسكري المباشر لقبائل مكة، مما أتاح نجاح خطة الهجرة إلى الحبشة وكسر حصار قريش للدعوة عبر إيجاد قاعدة آمنة للمسلمين بالخارج.

كم كان عدد الصحابة في الهجرة الأولى والهجرة الثانية للحبشة؟

في الهجرة الأولى، كان العدد صغيراً جداً ومحدوداً؛ حيث خرج 12 رجلاً و4 نساء فقط (منهم عثمان بن عفان وزوجته رقية). أما في الهجرة الثانية، فبعد أن زاد الاضطهاد وتأكدوا من أمان المكان، خرج فوج أكبر بكثير برئاسة جعفر بن أبي طالب، وكان يضم 83 رجلاً و11 أو 18 امرأة، وعاشوا هناك في خير جوار آمنين من بطش المشركين.

ما الذي كتبته قريش في الصحيفة الظالمة ومن الذي نقض الحصار؟

كتبت قريش في الصحيفة بنوداً صارمة تقضي بالمقاطعة التامة لبني هاشم وبني المطلب: ألا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، ولا يجالسوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا النبي ﷺ للقتل. والذي نقض هذا الحصار هم خمسة من أشراف مكة تحركت فيهم المروءة الإنسانية: هشام بن عمرو، زهير بن أبي أمية، المطعم بن عدي، أبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود.

كيف أثر حصار شعب أبي طالب على صحة النبي ﷺ والصحابة؟

كان الحصار قاسيًا ومدمرًا من الناحية الجسدية؛ حيث عانى الصحابة من جوع شديد لدرجة أكل أوراق الشجر والجلود الجافة، مما أثر على صحة الأطفال والنساء والرجال. هذا الحصار أنهك جسد السيدة خديجة رضي الله عنها وعم النبي أبي طالب، وكان سبباً مباشراً في وفاتهما بعد فك الحصار بفترة وجيزة في العام العاشر من البعثة (عام الحزن).

كيف أستفيد من معجزة "الأرضة" في مواجهة الظلم في حياتي اليومية؟

تثبت معجزة "الأرضة" أن الله سبحانه وتعالى يسخر أضعف خلقه لكسر شوكة أقوى وأعتى الظالمين. عندما تواجه ظلماً في عملك، أو قسوة من الناس، أو أزمة مالية محكمة، لا تنظر إلى قلة حيلتك، بل ثق بأن الله الذي سلط الحشرة لتأكل وثيقة الظلم في جوف الكعبة، قادر على تدمير أسباب كربك بلمحة بصر ومن طرق لا تخطر على عقلك البشري.

ذشارك هذه القصة مع من تحب أن ينتفع بها، وتابع مدونة دقيقة مع الله لمزيد من التأملات اليومية، وتابعنا أيضًا عبر:

عناصر السيو الإضافية

  • الكلمات المفتاحية: الهجرة إلى الحبشة وكسر حصار قريش للدعوة, الهجرة إلى الحبشة, حصار شعب أبي طالب, السيرة النبوية, النجاشي وجعفر بن أبي طالب, وثيقة قريش الظالمة, معجزة الأرضة, الثبات على الدين, دقيقة مع الله, مستر حسن شقير, قصص الصحابة, الفرج بعد الابتلاء.

تعليقات

عدد التعليقات : 0